عبد الرحمن الكواكبي

1855م.
حلب - سوريا
1902م.
مؤلف وكاتب ومفكر ومحامي وفيلسوف وفقيه وإمام جامع

ولد في:
من:
توفّي في:
شهرته:


مقدمة



ولد عبد الرحمن الكواكبي يوم 9 تموز 1855م في حلب لأم سورية وأب فارسي، وتعلم الكثير وقرأ الكتب وبدأ عمله السياسي لما صار يحرر صحيفة الفرات في حلب. وتقلد عدة مناصب منها إمام جامع ورئيس بلدية حلب. وعندما رأى أن العمل في صحيفة رسمية تعرقل مساعيه في فضح الفساد والفاسدين من الحكام والولاة، بدأ بتحرير صحيفته «الشهباء»، وكانت باللغة العربية وكان النقد فيها لاذعاً لدرجة أن والي حلب أمر بإغلاقها بعد سنتين.

وعندما زادت المضايقات عن حدها، سافر شرقاً إلى بلاد الهند والصين وغرباً إلى سواحل أفريقيا الشرقية وإلى مصر حيث ظل مقيماً هناك إذ أنها لم تكن تحت السيطرة العثمانية المباشرة، وهناك أكمل كتابة «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد».

وفي نفس السنة التي نشر فيها كتابه، اغتيل الكواكبي يوم 13 حزيران 1902 بالقاهرة في مصر مسموماً بسمٍّ دُسّ في قهوته ودفن هناك، وكان عظماء الشعر والعلم والأدب من سوريا ومصر قد حضروا جنازته، ونقش على قبره بيتان لحافظ إبراهيم:

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى ... هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا وأقرؤوا أم الكتاب وسلموا ... عليه فهذا القبر قبر الكواكبي

وإليكم مقتطفات من الكتاب الذي قتل مؤلفه.
 


طبائع الاستبداد
ومصارع الاستعباد


مقتطفات من فصل «الاستبداد والمجد»

المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً. ثم يرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كل عاجز وأنه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من الأعوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له: ما العرش وما التاج وما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام في أوهام. هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووساً وأنت غراب، أم تظن الأحجار البراقة في تاجك نجوماً ورأسك سماء، أم تتوهم أن زينة صدرك ومنكبيك أخرجتك من كونك قطعة طين من هذه الأرض؟ والله ما مكنك في هذا المقام وسلطك على رقاب الأنام إلا شعوذتنا وسحرنا وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا وإخواننا فانظر أيها الصغير المُكَبّر الحقير المُوَقّر كيف تعيش معنا!

ثم يلتفت إلى جماهير الرعية المتفرجين، فيرى منهم الطائشين المهللين المسبحين بحمده، ومنهم المسحورين المبهوتين كأنهم أموات من حين؛ ولكن يتجلى في فكره أن خلال الساكتين بعض أفراد عقلاء أمجاد يخاطبونه بالعيون بأن لنا معاشر الأمة شؤوناً عمومية وكّلناك في قضائها على ما نريد ونبغي، لا على ما تريد فتبغي. فإن وفّيت حق الوكالة حق لك الاحترام وإن مكرت مكرنا وحاقت بك العاقبة، ألا إن مكر الله عظيم.

وعندئذ يرجع المستبد إلى نفسه قائلاً الأعوان الأعوان، الحملة السدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجيش من الأوغاد أحارب بهم هؤلاء العبيد العقلاء، وبغير هذا الحزم لا يدوم لي ملك كيفما أكون، بل أبقى أسيراً للعدل معرضاً للمناقشة منغصاً في نعيم الملك، ومن العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون سلطاناً جباراً متفرداً قهاراً

الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنّاس الشوارع؛ ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار دولته، وشرهون لأكل السقطات من أيٍ كانت ولو بشراً أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد من الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفة وقرباً؛ ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من دونه دونه لؤماً وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه.

وربما يغتر المطالع كما اغتر كثير من المؤرخين البسطاء بأن بعض وزراء المستبدين يتأوّهون من المستبد ويتشكّون من أعماله ويجهرون بملامه، ويظهرون لو أنه ساعدهم الإمكان لعملوا وافتدوا الأمة بأموالهم بل حياتهم؛ فكيف والحالة هذه يكون هؤلاء لؤماء، بل كيف ذلك وقد وجد منهم الذين خاطروا بأنفسهم والذين أقدموا فعلاً على مقاومة الاستبداد فنالوا المراد أو بعضه أو هلكوا دونه؟

فجواب ذلك أن المستبد لا يخرج قط عن أنه خائن خائف محتاج لعصابة تعينه وتحميه فهو ووزراؤه كزمرة لصوص: رئيس وأعوان. فهل يجوّز العقل أن ينتخب رفاق من غير أهل الوفاق وهو هو الذي لا يستوزر إلا بعد تجربة واختبار عمر طويل؟ هل يمكن أن يكون الوزير متخلقاً بالخير حقيقة وبالشر ظاهراً فيخدع المستبد بأعماله ولا يخاف من أنه كما نصبه وأعزه بكلمة يعزله ويذله؟

بناء عليه فالمستبد وهو من لا يجهل أن الناس أعداؤه لظلمه لا يأمن على بابه إلا من يثق به أنه أظلم منه للناس وأبعد منه عن أعدائه؛ وأما تلوم بعض الوزراء على لوم المستبد فهو إن لم يكن خداعاً للأمة فهو حنق على المسبتد لأنه بخس ذلك المُتلوِّم حقه فقدّم عليه من هو دونه في خدمته بتضحية دينه ووجدانه. وكذلك لا يكون الوزير أميناً من صولة المستبد في صحبته ما لم يسبق بينهما وفاق واتفاق على خيرة الشيطان؛ لأن الوزير محسود بالطبع، يتوقع له المزاحمون كل شر، ويبغضه الناس ولو تبعاً لظالمهم وهو هدف في كل ساعة للشكايات والوشايات. كيف يكون عند الزوير شيء من التقوى أو الحياء أو العدل أو الحكمة أو المروءة أو الشفقة على الأمة وهو العالم بأن الأمة تبغضه وتمقته وتتوقع له كل سوء وتشمت بمصائبه، فلا ترضى عنه ما لم يتفق معها على المستبد وما هو بفاعل ذلك أبداً إلا إذا يئس من إقباله عنده، وإن يئس وفعل فلا يقضد نفع الأمة قط، إنما يريد فتح باب لمستبد جديد عساه يستوزره فيؤازره على وزره.

والنتيجة أن وزير المستبد هو وزير المستبد، لا وزير الأمة كما في الحكومات الدستورية. كذلك القائد يحمل سيف المستبد ليغمده في الرقاب بأمر المستبد لا بأمر الأمة؛ بل هو يستعيذ من أن تكون الأمة صاحبة أمر، لما يعلم من نفسه أن الأمة لا تقلد القيادة لمثله.


مقتطفات من فصل «الاستبداد والدين»

كذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور ما أخذ، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمن شرّ السكران إذا خمر. على أنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامهم في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم ويسد أفواههم بلقيمات من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس، صغار الهمم، يشتريهم المستبد بقليل من المال والإعزاز ولا يخاف من الماديين لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس، ولا بالرياضيين لأن غالبهم قصار النظر.

مقتطفات من فصل «الاستبداد والعلم»

ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبّر النفوس وتوسّع العقول وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة وهم المعبر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ وفي قوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ، وإن كان علماء الاستبداد يفسرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد كما حولوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.

والخلاصة أن المستبد يخاف من هؤلاء العلماء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة!

كما يبغض المستبد العلم لنتائجه يبغضه أيضاً لذاته لأن للعلم سلطاناً أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على ما هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كل المتكبرين بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخير ولا شر.

وينتج مما تقدم أن بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا.

العوام هم قوة المستبد وقوْته. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم، فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض، فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم، يقولون كريم؛ وإذا قتل منهم ولم يمثل، يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة.

والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقيها المستبد اللئيم على الترقي معها والانقلاب رغم طبعه إلى وكيل أمين يهاب الحساب، ورئيس عادل يخشى الانتقام، وأب حليم يتلذذ بالتحابب. وحينئذ تنال الأمة حياة رضية هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عز وسعادة؛ ويكون حظ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد، لأنه كان على الدوام ملحوظاً بالبغضاء محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قط أمامه من يسترشده فيما يجهل لأن الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بد أن يهابه فيضطرب باله فيتشوش فكره ويختل رأيه فلا يهتدي إلى الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبد، فإن رآه متصلباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده رشداً كان أو غياً؛ وكل مستشار غيره يدعي أنه غير هيّاب فهو كذاب؛ والقول الحق أن الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناء عليه لا يستفيد المستبد قط من رأي غيره بل يعيش في ضلال وتردد وعذاب وخوف. وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده الناس وقد خلقهم ربهم أحراراً.

إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياة تعيسة فقط.

لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أن أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصاً للخوف يُعبد اتقاءً لشره.

قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يقدمون قرابين الخوف؛ وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه؛ لينكشف للإنسان أن لا محل فيه للخوف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأن المستبد امرؤ عاجز مثلهم زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم.

ويقول أهل النظر إن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في شنآن الملوك وفخامة القصور وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات وعلائم الأبهة ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضاً عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبد كما يلجأ قليل العز للتكبر، وقليل العلم للتصوف، وقليل الصدق لليمين، وقليل المال لزينة اللباس.

والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان، فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس، والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء النبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء.

كفى شاهداً أن أول كلمة أنزلت من القرآن هي الأمر بالقراءة أمراً متكرراً، وأول منّة أجلها الله وأمتن بها على الإنسان هي أنه علمه بالقلم، علمه به ما لم يعلم. وقد فهم السلف الأول من مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلم القراءة والكتابة على كل مسلم، وبذلك عمت القراءة والكتابة في المسلمين أو كادت تعم، وبذلك صار العلم في الأمة حراً مباحاً للكل لا يختص به رجال الدين أو الأشراف كما كان في الأمم السابقة؛ وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذاً عن المسلمين! ولكن قاتل الله الاستبداد الذي استهان بالعلم حتى جعله كالسلعة يعطى ويمنح للأميين ولا يجرؤ أحد على الاعتراض؛ أجل، قاتل الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى الأمية فالتقى آخرها بأولها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال المدققون إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزها، والشرف وعظمته، والحقوق وكيف تحفظ، والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرحمة وما هي لذاتها.

أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم كأن العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة لا إله إلا الله ولماذا كانت أفضل الذكر ولماذا بني عليها الإسلام. بني الإسلام بل وكافة الأديان على (لا إله إلا الله)، ومعنى ذلك أنه لا يعبد حقاً سوى الصانع الأعظم؛ ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد، فيكون معنى لا إله إلا الله: (لا يستحق الخضوع شيء غير الله). وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذراً من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل والحالة هذه يناسب غرض المستبدين أن يعلم عبيدهم أن لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع، إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض. كلا لا يلائم ذلك غرضهم وربما عدوا كلمة (لا إله إلا الله) شتماً لهم! ولهذا كان المستبدون ولا زالوا من أنصار الشرك وأعداء العلم.

إن العلم لا يناسب صغار المستبدين أيضاً، كخَدَمَة الأديان المتكبرين وكالآباء الجهلاء والأزواج الحمقاء وكرؤساء كل الجمعيات الضعيفة. والحاصل أنه ما انتشر نور العلم في أمة قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر، وساء مصير المستبدين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين


مقتطفات من فصل «الاستبداد والترقي»

وما أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم، إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء المرائين الأغبياء، والرؤساء القساة الجهلاء. فيجددون النظر في الدين، نظر من لا يحفل بغير الحق الصريح، نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربه لا استمالة الناس إليه؛ وبذلك يعيدون النواقص المعطلة في الدين، ويهذبونه من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادة على كل دين يتقادم عهده، فيحتاج إلى مجددين يرجعون به إلى أصله المبين البريء من حيث تمليك الإرادة ورفع البلادة من كل ما يشين، المخفف شقاء الاستبداد والاستعباد، المبصر بطرائق التعليم والعلم الصحيحين؛ المهيء قيام التربية الحسنة واستقرار الأخلاق المنتظمة مما به يصير الإنسان إنساناً، وبه لا بالكفر يعيش الناس إخواناً.

والشرقيون ما داموا على حاضر حالهم بعيدين عن الجد والعزم، مرتاحين للهو والهزل تسكيناً لآلام إسارة النفس وإخلاداً إلى الخمول والتسفل، طلباً لراحة الفكر المضغوط عليه من كل جانب، يتألمون من تذكيرهم بالحقائق، ومطالبتهم بالوظائف، ينتظرون زوال العناد بالتواكل، أو مجرد التمني والدعاء. أو يتربصون صدفة مثل التي نالتها بعض الأمم، فليتوقعوا إذن أن يفقدوا الدين كلياً فيمسوا، وما مساؤهم ببعيد، دهريين لا يدرون أي الحياتين أشقى؛ فلينظروا ما حاق بالآشوريين والفينيقيين وغيرهم من الأمم المنقرضة المندمجة في غيرها خدماً وخولاً.

والأمر الغريب، أن كل الأمم المنحطة من جميع الأديان تحصر بلية انحطاطها السياسي في تهاونها بأمور دينها، ولا ترجو تحسين حالتها الإجتماعية إلا بالتمسك بعروة الدين تمسكاً مكيناً، ويريدون بالدين العبادة؛ ولنعم الإعتقاد لو كان يفيد شيئاً، لكنه لا يفيد أبداً لأنه قول لا يمكن أن يكون وراءه فعل؛ وذلك أن الدين بذر جيد لا شبهة فيه، فإذا صادف مغرساً طيباً نبت ونما، وإن صادف أرضاً قاحلة مات وفات، أو أرضاً مغراقاً هاف ولم يثمر. وما هي أرض الدين؟ أرض الدين هي تلك الأمة التي أعمى الاستبداد بصرها وبصيرتها وأفسد أخلاقها ودينها، حتى صارت لا تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدهما المشروع أضر على الأمة من نقصهما كما هو مشاهد في المتنسكين.

نعم، الدين يفيد الترقي الاجتماعي إذا صادف أخلاقاً فطرية لم تفسد، فينهض بها كما نهضت الإسلامية بالعرب، تلك النهضة التي نتطلبها منذ ألف عام عبثاً.

وقد علّمنا هذا الدهر الطويل مع الأسف، أن أكثر الناس لا يحفلون بالدين إلا إذا وافق أغراضهم، أو لهواً ورياءً؛ وعلّمنا أن الناس عبيد منافعهم وعبيد الزمان؛ وأن العقل لا يفيد العزم عندهم، إنما العزم عندهم يتولد من الضرورة أو يحصل بالسائق المجبر. ولا يستحي الناس من أن يلزموا أنفسهم باليمين أو النذر. بناء عليه، ما أجدر بالأمم المنحطة أن تلتمس دواءها من طريق إحياء العلم وإحياء الهمة مع الاستعانة بالدين والاستفادة منه بمثل: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، لا أن يتكلوا على أن الصلاة تمنع الناس عنهما بطبعها. [...]

يا قوم: وأعني بكم المسلمين، ... أيها المسلمون: إني نشأت وشبت وأنا أفكر في شأننا الاجتماعي عسى أهتدي لتشخيص دائنا فكنت أتقصى السبب بعد السبب، حتى إذا وقعت على ما أظنه عاماً، أقول لعل هذا هو جرثومة الداء، فأتعمق فيه تمحيصاً وأحلله تحليلاً، فينكشف التحقيق عن أن ما قام في الفكر هو سبب من جملة الأسباب، أو هو سبب فرعي لا أصلي، فأخيب وأعود إلى البحث والتنقيب. وطالما أمسيت وأصبحت أجهد الفكر في الاستقصاء، وكثيراً ما سعيت وسافرت لأستطلع آراء ذوي الآراء، عسى أهتدي إلى ما يشفي صدري من آلام بحث أتعبني به ربي. وآخر ما استقرت عليه سفينة فكري هو:

إن جرثومة دائنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام والنشاط، دين القرآن الصريح البيان؛ إلى صيغة أنّا جعلناه دين الخيال والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البدع والتشديد، دين الإجهاد. وقد دب فينا هذا المرض منذ ألف عام فتمكن فينا وأثر في كل شؤوننا، حتى بلغ فينا استحكام الخلل في الفكر والعمل أننا لا نرى في الخالق جل شأنه نظاماً فيما اتصف، نظاماً فيما قضى، نظاماً فيما أمر، ولا نطالب أنفسنا فضلاً عن آمرنا أو مأمورنا بنظام وترتيب واطّراد ومثابرة.

وهكذا أصبحنا واعتقادنا مشوش، وفكرنا مشوش، وسياستنا مشوشة، وعيشتنا مشوشة. فأين منا والحالة هذه الحياة الفكرية، الحياة العملية، الحياة العائلية، الحياة الاجتماعية، الحياة السياسية؟

يا قوم: قد ضيع دينكم ودنياكم ساستكم الأولون وعلماؤكم المنافقون، وإني أرشدكم إلى عمل إفرادي لا حرج فيه علماً ولا عملاً: أليس بين جنبي كل فرد منكم وجدان يميز الخير من الشر والمعروف من المنكر ولو تمييزاً إجمالياً؟ أما بلغكم قول معلم الخير نبيكم الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم، وقوله: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.

وأنتم تعلمون إجماع أئمة مذاهبكم كلها على أن أنكر المنكرات بعد الكفر هو الظلم الذي فشا فيكم، ثم قتل النفس، ثم وثم،... وقد أوضح العلماء أن تغيير المنكر بالقلب هو بغض المتلبس به بغضاً في الله. بناء عليه فمن يعامل الظالم أو الفاسق غير مضطر، أو يجامله ولو بالسلام، يكون قد خسر أضعف الإيمان، وما بعد الأضعف إلا العدم أي فقد الإيمان والعياذ بالله.

ولا أظنكم تجهلون أن كلمة الشهادة، والصوم والصلاة، والحج والزكاة، كلها لا تغني شيئاً مع فقد الإيمان؛ إنما يكون القيام حينئذ بهذه الشعائر، قياماً بعادات وتقاليد وهوسات تضيع بها الأموال والأوقات.

بناء عليه فالدين يكلفكم إن كنتم مسلمين، والحكمة تلزمكم إن كنتم عاقلين: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر جهدكم، ولا أقل في هذا الباب من إبطانكم البغضاء للظالمين والفاسقين؛ وأظنكم إذا تأملتم قليلاً ترون هذا الدواء السهل المقدور لكل إنسان منكم، يكفي لإنقاذكم مما تشكون. والقيام بهذا الواجب متعين على كل فرد منكم بنفسه، ولو أهمله كافة المسلمين. ولو أن أجدادكم الأولين قاموا به لما وصلتم إلى ما أنتم عليه من الهوان. فهذا دينكم، والدين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع، والدين يقين وعمل، لا علم وحفظ في الأذهان. أليس من قواعد دينكم فرض الكفاية وهو أن يعمل المسلم ما عليه غير منتظر غيره؟

فأناشدكم الله يا مسلمين: أن لا يغركم دين لا تعلمون به وإن كان خير دين، ولا تغرنكم أنفسكم بأنكم أمة خير أو خير أمة، وأنتم أنتم المتواكلون المقتصرون على شعار: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونِعمَ الشعار شعار المؤمنين، ولكن أين هم؟ إني لا أرى أمامي أمة تعرف حقاً معنى لا إله إلا الله، بل أرى أمة خبلتها عبادة الظالمين!

***

يا قوم: وأعني بكم الناطقين الضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون. فهذه أمم أوستريا [الإمبراطورية النمساوية] وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للإتحاد الوطني دون الديني، والرفاق الجنسي [يقصد الجنسية] دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع تلك الطرائق أو شبهها. فيقول عقلاؤنا لمثيري الشحناء من الأعجام والأجانب: دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا، نتفاهم بالفصحاء، ونتراحم بالإخاء، ونتواسى في الضراء، ونتساوى في السراء. دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحي الأمة، فليحي الوطن، فلنحي طلقاء أعزاء.


مقتطفات من الفصل الأخير للكواكبي «الاستبداد والتخلص منه»

مبحث السعي في رفع الاستبداد: هل ينتظر ذلك من الحكومة ذاتها، أم نوال الحرية ورفع الاستبداد رفعاً لا يترك مجالا لعودته من وظيفة عقلاء الأمة وسراتها!؟.... وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط، أعني مبحث السعي في رفع الاستبداد فأقول:

  1. الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.
  2. الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج.
  3. يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يستبدل به الاستبداد.

هذه قواعد رفع الاستبداد وهي قواعد تبعد آمال الأسراء، وتسر المستبدين، لأن ظاهرها يؤمنهم على استبدادهم ....

مبنى قاعدة كون الأمة التي لا يشعر أكثرها بالاستبداد لا تستحق الحرية هو:

أن الأمة إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمة سافلة الطباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السالفة، حتى أنها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو أساء على حد سواء؛ وقد تنقم على المستبد نادراً ولكن طلباً للانتقام من شخصه لا طلباً للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئا إنما تستبدل مرض بمرض كمغص بصداع.

وقد تقاوم الاستبداد بسوق مستبد آخر تتوسم فيه أنه أقوى شوكة من المستبد الأول، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد فلا تستفيد أيضاً شيئاً، إنما تستبدل مرضاً مزمناً بمرض حاد، وربما تنال الحرية عفواً فكذلك لا تستفيد منها شيئاً لأنها لا تعرف طعمها فلا تهتم بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبداد مشوش أشد وطأة كالمريض إذا انتكس. ولهذا قرر الحكماء أن الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأما التي تحصل على إثر ثورة حمقاء فقلما تفيد شيئاً، لأن الثورة غالباً تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً.

فإذا وجد في الأمة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه أولاً: أن يبث فيها الحياة وهو العلم، أي علمها بأن حالتها سيئة وأن بالإمكان تبديلها بخير منها، فإذا هي علمت يبدأ فيها الشعور بآلام الاستبداد، ثم يترقى هذا الشعور بطبعه من الآحاد إلى العشرات، إلى.. إلى....، حتى يشمل أكثر الأمة وينتهي بالتحمس ويبلغ بلسان حالها إلى منزلة قول الحكيم المعري:

إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة ... فنحن على تغييرها قدراء

وهكذا ينقذف فكر الأمة في واد ظاهر الحكمة يسير كالسيل، لا يرجع حتى يبلغ منتهاه.

ثم إن الأمم الميتة لا يندر فيها ذوي الشهامة، إنما الأسف أن يندر فيها من يهتدي في أول نشأته إلى الطريق الذي به يحصل على المكانة التي تمكنه في مستقبله من نفوذ رأيه في قومه، وإني أنبه فكر الناشئة العزيزة أن من يرى منهم في نفسه استعداداً للمجد الحقيقي فليحرص على الوصايا الآتية البيان:

  1. أن يجهد في ترقية معارفه مطلقاً لا سيما في العلوم النافعة الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي والطبيعي والسياسي، والإدارة الداخلية، والإدارة الحربية. فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما يمكنه إحرازه بالتلقي وإن تعذر فبالمطالعة مع التدقيق.
  2. أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعاً محترماً وعلمياً مخصوصاً كعلم الدين والحقوق أو الإنشاء أو الطب.
  3. أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة ولو أن فيها بعض أشياء سخيفة.
  4. أن يقلل اختلاطه مع الناس حتى مع رفقائه في المدرسة وذلك حفظاً للوقار وتحفظاً من الارتباط القوي مع أحد كيلا يسقط تبعاً لسقوط صاحب له.
  5. أن يتجنب كلياً مصاحبة الممقوت عند الناس لا سيما الحكام ولو كان ذلك المقت بغير حق.
  6. أن يجهد ما أمكنه في كتم مزيته العلمية على الذين هم دونه في ذلك العلم لأجل أن يأمن غوائل حسدهم، إنما عليه أن يظهر مزيته لبعض من هم فوقه بدرجات كثيرة.
  7. أن يتخير له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا، بشرط: أن لا يكثر التردد عليه، ولا يشاركه في شؤونه، ولا يظهر له الحاجة، ويتكتم في نسبته إليه.
  8. أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه وإلا يؤخذ عليه تبعة رأي أو خبر يرويه.
  9. أن يحرص على أن يعرف بحسن الأخلاق لا سيما الصدق والأمانة والثبات على المبادئ.
  10. أن يظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين والعلاقة بالوطن.
  11. أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبد وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن فظائع شرهم إذا كان معرضاً لذلك.

فمن يبلغ سن الثلاثين فما فوق حائزاً على الصفات المذكورة، يكون قد أعد نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه عندما يريد في برهة قليلة، وبهذه الثقة يفعل ما لا تقوى عليه الجيوش والكنوز. وما ينقصه من هذه الصفات ينقص من مكانته، ولكن قد يستغني بمزيد كمال بعضها عن فقدان بعضها الآخر أو نقصه. كما أن الصفات الأخلاقية قد تكفي في بعض الظروف عن الصفات العلمية كلها ولا عكس. وإذا كان المتصدي للإرشاد السياسي فاقد الثقة فقداناً أصلياً أو طارئاً، يمكنه أن يستعمل غيره ممن تنقصه الجسارة والهمة والصفات العلمية.

والخلاصة أن الراغب في نهضة قومه، عليه أن يهيئ نفسه ويزن استعداده ثم يعزم متوكلاً على الله في خلق النجاح.